الشيخ الطبرسي

10

تفسير مجمع البيان

دينه ، وتبعهما . وقد كانت أمه صبرت ثلاثة أيام ، ثم أكلت وشربت . فلما خرجوا من المدينة ، أخذاه وأوثقاه كثافا ، وجلده كل واحد منهما مائة جلدة حتى برئ من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم جزعا من الضرب . وقال ما لا ينبغي . فنزلت الآية ، وكان الحرث أشدهما عليه ، فحلف عياش لئن قدر عليه خارجا من الحرم ، ليضربن عنقه . فلما رجعوا إلى مكة ، مكثوا حينا ، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون إلى المدينة ، وهاجر عياش ، وحسن إسلامه ، وأسلم الحرث بن هشام ، وهاجر إلى المدينة ، وبايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الاسلام ، ولم يحضر عياش . فلقيه عياش يوما بظهر قبا . ولم يشعر بإسلامه فضرب عنقه ، فقيل له : إن الرجل قد أسلم ، فاسترجع عياش وبكى . ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك فنزل : ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطا ) الآية . وقيل : نزلت الآية في ناس من المنافقين ، يقولون . آمنا ، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك ، عن الضحاك . وقيل : نزلت في قوم ردهم المشركون إلى مكة ، عن قتادة . المعنى : لما رغب سبحانه في تحقيق الرجاء والخوف بفعل الطاعة ، عقبه بالترغيب في المجاهدة ، فقال : ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) أي : ومن جاهد الشيطان بدفع وسوسته وإغوائه ، وجاهد أعداء الدين لإحيائه ، وجاهد نفسه التي هي أعدى أعدائه ، فإنما يجاهد لنفسه ، لأن ثواب ذلك عائد عليه ، وواصل إليه ، دون الله تعالى . ( إن الله لغني عن العالمين ) غير محتاج إلى طاعتهم ، فلا يأمرهم ولا ينهاهم لمنفعة ترجع إليه ، بل لمنفعتهم . ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ) التي اقترفوها قبل ذلك أي : لنطلبنها حتى تصير كأنهم لم يعملوها . ( ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) أي : يجزيهم بأحسن أعمالهم ، وهو ما أمروا به من العبادات والطاعات ، والمعنى : لنكفرن سيئاتهم السابقة منهم في حال الكفر ، ولنجزينهم بحسناتهم التي عملوها في الاسلام . ولما أمر سبحانه بمجاهدة الكفار ومباينتهم ، بين حال الوالدين في ذلك فقال : ( ووصينا الانسان بوالديه ) أي : أمرناه أن يفعل بوالديه ( حسنا ) وألزمناه ذلك . ثم خاطب سبحانه كل واحد من الناس فقال : ( وإن جاهداك ) أي : وإن جاهدك أبواك أيها الانسان ، وألزماك واستفرغا مجهودهما في دعائك . ( لتشرك بي ) في العبادة ( ما ليس لك به علم ) أي : وليس لأحد به علم ( فلا تطعهما ) في ذلك . فأمر سبحانه